كريم نجيب الأغر
476
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - والحديث : « لا يحرّم من الرّضاع إلّا ما أنبت اللّحم وأنشز العظم » [ أخرجه الإمام أحمد ح 58 ] يؤكد أن المصة أو المصتين أو الوجبة والوجبتين من اللبن ليستا كافيتين للتحريم ، وأنّه لا يسبّب التحريم إلا كميّة كافية من اللبن تنبت اللحم وتنشز العظم ، وهذا لا يحصل بمصّة أو مصّتين ، أو وجبة أو وجبتين غير مشبعتين ، لا تؤثّر على هيكلية الطفل بشكل ملحوظ . والحديث الذي روته السيدة عائشة رضي اللّه عنها : « أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنسخ من ذلك خمس وصار إلى خمس رضعات معلومات فتوفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والأمر على ذلك » [ أخرجه مسلم ح 104 ] يعضد هذا الكلام . فالحديث يصرّح أنه كان من القرآن المنسوخ تلاوة ، وليس حكما ، خمس رضعات معلومات . ومن المعلوم أن هناك ثلاثة أنواع من النسخ ، وتفصيله كما جاء في صحيح مسلم بشرح النووي في تفسير هذا الحديث : « والنسخ ثلاثة أنواع : - أحدها : ما نسخ حكمه وتلاوته كعشر رضعات ، - والثاني : ما نسخت تلاوته دون حكمه كخمس رضعات والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ، - والثالث : ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته ، وهذا هو الأكثر ، ومنه : قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ الآية ، واللّه أعلم » . وتفصيل النسخ : أنه تأخّر نسخ تلاوة الآية التي تنص أن الرضاع يجب أن يكون بخمس رضعات معلومات حتى إن بعض الصحابة ظلّ يتلوها لعدم درايته بنسخها . جاء في صحيح مسلم بشرح النووي : « وقولها [ أي السيدة عائشة رضي اللّه عنها ] : ( فتوفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهن فيما يقرأ ) هو بضم الياء من ( يقرأ ) ، ومعناه : أن النسخ بخمس رضعات تأخّر إنزاله جدّا حتى إنه صلّى اللّه عليه وسلّم توفّي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنا متلوّا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده ، فلمّا بلغهم النسخ بعد ذلك ، رجعوا عن ذلك ، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى » . فهذا الحديث يخبرنا أن التحريم يحدث بخمس رضعات معلومات ، والرضعة المعلومة ما هي إلا الرضعة المعلوم فيها أن الرضيع تناولها عن جوع ، وأنها أشبعته ، وأن الحليب الذي تجرّعه كان من النوع المثقّل الذي يخرج بفتق الأمعاء الموجودة في الثدي ، وأنها أنبتت اللحم وأنشزت العظم ، كما نفهم من مجموع الأحاديث ، والتفاسير . جاء في تفسير القرطبي للآية : وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [ النساء : 23 ] : « فوصفها بالمعلومات إنما هو تحرز مما يتوهّم أو يشك في وصوله إلى الجوف » . وكذلك جاء في شرح سنن النسائي للسندي للحديث رقم 3307 . فوصف الرضعات بالمعلومات ما هو إلا تنبيه لنا بأن نتأكد أن جميع الشروط التي تلفّظ بها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الأحاديث الأخرى تطبّق على أحكام الرضاع قبل أن نطلق حكم التحريم على المرضعة والرضيع ، وإلا لما صحّ التحريم ، ومختصره : أن تكون خمس وجبات مشبعات من لبن الأم المرضع من النوع المثقّل . جاء في تفسير القرطبي للآية رقم 23 من سورة النساء : « ويفيد دليل خطابه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرم . والله أعلم » . ومن المهم جدا أن نشير إلى أن النسخ بخمس رضعات كان آخر ما آل إليه الأمر في مسألة الرضاع ، وبالتالي فعلينا العمل به لأننا لا نستطيع أن نعتبر الأحاديث الأخرى ناسخة له ( وإن لم نعتبر في نظرنا الأحاديث الأخرى معارضة له ) ، كما أنه يتوجّب علينا العمل بدلالات لفظ النسخ ، وهي أن تكون الرضعات معلومات - أي مشبعات - .